الإدراك

عند تشخيص إصابة الطفل بالشلل الدماغي، غالبًا ما ينصب التركيز على الصعوبات الحركية. مع ذلك، قد يؤثر تلف الدماغ المصاحب للشلل الدماغي أيضًا على الوظائف الإدراكية كالذاكرة والانتباه والتعلم. ولا تُعدّ الصعوبات الإدراكية مرادفةً للإعاقة الذهنية، إذ يمكن أن تحدث بغض النظر عن مستوى الذكاء أو شدة الصعوبات الحركية.

بالنسبة للبعض، تكون الصعوبات طفيفة ولا تؤثر كثيراً على الحياة اليومية. أما بالنسبة للآخرين، فقد يكون لها تأثير كبير على الدراسة والتفاعل الاجتماعي والحياة العملية المستقبلية، وفي بعض الحالات تتطلب دعماً مكثفاً وطويل الأمد.

ما هي الوظائف الإدراكية؟

الوظائف الإدراكية هي العمليات العقلية التي يقوم بها الدماغ والتي تمكننا من استقبال المعلومات وتفسيرها، والتفكير، والتخطيط، وحل المشكلات، وفهم اللغة، والتواصل مع الآخرين. تختلف طريقة عمل هذه الوظائف من شخص لآخر، ومثل الأشخاص غير المصابين بالشلل الدماغي، لدينا جميعًا نقاط قوة وتحديات مختلفة في مجالات مختلفة.

الصعوبات الإدراكية لدى المصابين بالشلل الدماغي

قد تؤثر الصعوبات الإدراكية على الحياة اليومية للطفل ولمن حوله، كأن ينسى الطفل أشياءً أو يجد صعوبة في التركيز. ومن الشائع أن تتأثر ثقة الطفل بنفسه عندما يواجه صعوبة أكبر من أقرانه في إنجاز مهام معينة.

قد تؤدي الصعوبات الحركية إلى إطالة مدة العمليات البدنية والذهنية، واستهلاك المزيد من الطاقة. ولذلك، غالباً ما يشعر الأطفال المصابون بالشلل الدماغي بتعب أكبر من غيرهم، مثلاً بعد يوم دراسي. ويُعدّ إيجاد التوازن بين النشاط والراحة أمراً بالغ الأهمية، ويحتاج العديد من الأطفال إلى المساعدة في ترتيب أولويات أنشطتهم للتركيز على ما هو مهم.

من المهم أيضاً أن يفهم الطفل نقاط قوته ونقاط ضعفه، وأن يتلقى الدعم اللازم لتطوير استراتيجياته في المنزل والمدرسة. وكلما زادت معرفتك كوالد بقدرات طفلك المعرفية، كلما تمكنت من دعم نموه بشكل أفضل ووضع متطلبات معقولة.

الصعوبات الشائعة – التركيز والانتباه والمثابرة

غالباً ما يواجه الأطفال المصابون بالشلل الدماغي صعوبة في التركيز، خاصةً في البيئات التي تكثر فيها المشتتات، مثل مجموعات ما قبل المدرسة أو الفصول الدراسية. وقد يجد البعض صعوبة في الحفاظ على التركيز حتى في غياب المشتتات الخارجية، وقد يؤدي الجهد الذهني سريعاً إلى الإرهاق وانخفاض القدرة على التحمل. ولذلك، قد تختلف أعراض صعوبات التركيز من طفل لآخر.

لتقديم دعم فعال، قد يكون من المهم القيام بما يلي:

  • امنح الطفل فرصة التواجد في بيئة هادئة عندما يكون التركيز مطلوبًا
  • قدّم مجموعة متنوعة من الأنشطة
  • امنح فترات راحة منتظمة
  • وضح بوضوح متى يحين وقت العمل ومتى يحين وقت الراحة
  • امنح طفلك هيكلاً واضحاً ليومه

نصيحة: قد يكون من المفيد استخدام الصور أو أدوات تحديد الوقت لإظهار ما يجب القيام به خلال اليوم بوضوح.

ذاكرة

غالباً ما تتأثر الذاكرة العاملة لدى الأطفال المصابين بالشلل الدماغي، وهي القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات لفترة قصيرة لإنجاز مهمة ما. وقد تُصعّب صعوبات الذاكرة العاملة تذكّر تعليمات متعددة في آن واحد أو الاحتفاظ بالتعليمات حتى إتمام المهمة.

في المدرسة، يمكنك دعم الطفل من خلال:

  • أعطِ تعليمات واحدة في كل مرة وتأكد من أن الطفل قد فهمها.
  • قدّم ملاحظات منتظمة حتى يعرف الطفل أنه يسير على الطريق الصحيح.
  • تجنب حفظ الجداول والقياسات والوحدات - استخدم "الكلاب الكسولة" بدلاً من ذلك
  • توفير الأمن من خلال هيكل واضح خلال النهار
  • قم بتوفير المعلومات المهمة بصرياً، حتى يتمكن الطفل من التحقق منها بسرعة دون الحاجة إلى السؤال.

في الحياة اليومية، قد تؤدي صعوبات الذاكرة العاملة إلى نسيان الطفل للاتفاقيات أو أماكن الأشياء. في المنزل، يمكن تقديم الدعم من خلال:

  • ضع جدولاً بالأنشطة المخطط لها
  • تذكيرات على هاتفك المحمول
  • الروتين اليومي المنتظم
  • بالتعاون مع الطفل، ابحثوا عن استراتيجيات، على سبيل المثال، تأكدوا من إحضار كتب الواجبات المنزلية من المدرسة.

لا يعني وجود صعوبات في الذاكرة العاملة بالضرورة تأثر أجزاء أخرى من الذاكرة. فغالباً ما يستطيع الطفل تذكر الأحداث وتعلم الحقائق بناءً على السياق.

لغة

قد تظهر صعوبات اللغة لدى الأطفال المصابين بالشلل الدماغي بأشكال مختلفة. فقد تتعلق بالكلام، كأن يجد الطفل صعوبة في نطق بعض الأصوات، أو بالتواصل، حيث قد يجد صعوبة في فهم بعض الكلمات أو متابعة الحوار. يحتاج بعض الأطفال إلى وقت أطول لمعالجة اللغة واستخدامها، ومن المهم منحهم الوقت الكافي للرد دون مقاطعة.

من المهم أيضاً معرفة أنه قد يواجه الشخص صعوبة في نطق الكلمات دون وجود مشاكل لغوية، وقد يواجه صعوبات لغوية دون وجود مشاكل في الكلام نفسه. يلجأ العديد من الأطفال المصابين بالشلل الدماغي إلى أخصائي النطق لتطوير مهاراتهم اللغوية والنطقية.

الإدراك البصري

الإدراك البصري هو قدرة الدماغ على تفسير وفهم ما نراه. تُعدّ صعوبات الإدراك البصري شائعة لدى المصابين بالشلل الدماغي، وهي ليست مشكلة في الرؤية بحد ذاتها، بل صعوبة في معالجة الدماغ للانطباعات البصرية. ويمكن ملاحظة ذلك من خلال صعوبات في تفسير الصور، وتعبيرات الوجه، أو تمييز الأشياء على خلفية مزدحمة، وقد يؤثر ذلك على العديد من الوظائف اليومية.

اقرأ المزيد عن الإدراك البصري وضعف البصر القشري ->

الوظائف التنفيذية

الوظائف التنفيذية هي العمليات التي تساعدنا على التخطيط والتنظيم وتنفيذ المهام من الفكرة إلى الفعل. وهي تتطلب تفاعل قدرات معرفية مختلفة، مثل الذاكرة العاملة، والقدرة على رؤية الصورة الكلية، والقدرة على التفكير في عدة أمور في وقت واحد، والقدرة على التحكم في أفكارنا ودوافعنا.

يعاني العديد من الأطفال المصابين بالشلل الدماغي من صعوبات في الوظائف التنفيذية، مما قد يُصعّب عليهم تحويل الأفكار إلى أفعال وتقدير المدة الزمنية اللازمة لإنجاز الأنشطة المختلفة. تذكر! القدرة على قراءة الساعة وفهم الوقت ليسا شيئًا واحدًا.

  • استخدم أدوات مساعدة لقياس الوقت، بدلاً من مجرد الساعة، لتتبع الوقت في الحياة اليومية.
  • استخدم التقاويم والجداول الزمنية والملخصات لإنشاء خطط واضحة خطوة بخطوة.
  • ابتكر روتينًا منتظمًا وحاول الالتزام به.

كيف يمكنك المساعدة؟

غالباً ما ترتبط الصعوبات الإدراكية ببعضها، ومن المهم أن تُتاح للطفل فرصة الخضوع لتقييم نفسي عصبي لفهم نقاط قوته وضعفه. فبدون معلومات دقيقة، قد يقارن الأطفال أنفسهم بالآخرين بسهولة، مما يؤثر على صورتهم الذاتية وثقتهم بأنفسهم. ينبغي تكييف المعلومات والدعم مع مستوى نمو الطفل ونضجه، ويحتاج الأهل ورياض الأطفال والمدرسة إلى معرفة نقاط قوة الطفل وحدوده لكي يتمكنوا من تكييف البيئة والتعلم.

في برنامج المتابعة التابع لبرنامج CPUP، يُوصى بإجراء تقييم نفسي عصبي في عمر 5-6 سنوات و11-12 سنة. ويُجرى التقييم عند التأهيل وقد يشمل ما يلي:

  • اختبار الكفاءة
  • اختبار الإدراك
  • تقييم الوظائف التنفيذية
  • تقييم الأداء اليومي (القدرة على التكيف)

يتم تكييف التحقيق مع ما هو ذو صلة بطفلك.

التعاون في التحقيق والدعم

يُجرى التقييم العصبي النفسي دائمًا بالتشاور مع فريق التأهيل. وقد يشمل ذلك التعاون مع:

  • على المعلمين المتخصصين إيجاد استراتيجيات فعالة في اللعب والمدرسة
  • يقوم أخصائيو العلاج الوظيفي بتقييم ودعم المهارات في الأنشطة اليومية
  • أخصائيو النطق، لتحديد صعوبات اللغة
  • أخصائيو العلاج الطبيعي، لفهم القدرات الحركية للطفل

يمكن لأخصائيي العلاج الوظيفي وأخصائيي علاج النطق أيضاً التوصية بأجهزة مساعدة ووصفها، على سبيل المثال لإدراك الوقت أو التواصل.

يتعاون الأهل ومراكز التأهيل ورياض الأطفال/المدرسة لضمان توفير أفضل الظروف الممكنة للطفل لينمو وفقًا لقدراته. هذه العملية مستمرة وتتطلب التكيف خلال مرحلة الطفولة. في الوقت نفسه، من المهم تذكر أن النمو مرتبط أيضًا بالتقبّل؛ فلكل طفل الحق في أن يكون على طبيعته، ومن المهم بنفس القدر أن يمارس ما يجده ممتعًا كما يمارس ما يجده صعبًا.

هل تدوم الصعوبات إلى الأبد؟

ترتبط بعض الصعوبات الإدراكية بفترة نمائية محددة، بينما قد تؤثر صعوبات أخرى على الطفل بطرق مختلفة طوال حياته. لفهم احتياجات طفلك الخاصة، قد يكون من المفيد مناقشة هذه المسائل مع أخصائي نفسي خلال فترة التأهيل.

لا يتغير تلف الدماغ الذي يُسبب الصعوبات الإدراكية والحركية لدى المصابين بالشلل الدماغي بمرور الوقت. وهذا يعني أنه من المهم إيجاد الدعم والاستراتيجيات والوسائل المساعدة مع الطفل لتمكينه من إدارة حياته اليومية. فالتعديلات المناسبة تُحدث فرقًا كبيرًا!